انتخابات تونس وحصاد بن علي
في الإربعاء, 14 أكتوبر 2009 ≈ 16:10:00
حصاد النظام الشمولي
بالإضافة إلى الهجرة الجماعية لعدد من العائلات إلى الجزائر هربا من الجوع، الذي دفع بعضهم إلى مشاركة البهائم علفها، وهو ما مثل فضيحة لنظام يتبجح «بنجاحاته الاقتصادية».
لقد أدى برنامج الإصلاح الهيكلي والشراكة الأورومتوسطية إلى خوصصة المؤسسات العمومية والتفريط فيها للعائلات المتنفذة بالإضافة إلى الرأسمال الأجنبي الذي استحوذ على نسبة 87 % من صفقات الخوصصة، وهو اليوم يمتلك 3 آلاف شركة تستغل أكثر من 300 ألف عامل، كما تقلص نصيب الدولة في تمويل الصحة العمومية ليتحمل المواطن أكثر من 53 % من مصاريف العلاج.
لقد اتسعت الفوارق الطبقية بين قلة مترفة تستأثر بخيرات البلاد وأكثرية تكابد شظف العيش، إذ لا يحصل ثلثا الناشطين الاقتصاديين إلا على ربع الثروة، فيما تبلغ ثروة بن علي، مثلا، حسب مجلة «فوربز» الأمريكية المتخصصة، 5 مليارات دولار سنة 2007؛ وقد حصن نفسه بنص الدستور من المساءلة القضائية مدى الحياة، وسن قانونا للحفاظ على امتيازات عائلته حتى بعد موته.
لقد أدى هذا الحيف الاجتماعي والنهب الاقتصادي وغياب العدالة في توزيع الثروة بين الفئات الاجتماعية والجهات إلى انفجار أحداث الحوض المنجمي، التي دامت أكثر من ستة أشهر، واجهت خلالها قوات الأمن المواطنين بالقمع، فخلفت ثلاثة قتلى وعددا من الجرحى، واعتقلت قادة الحركة الاحتجاجية، وصدرت في حقهم أحكام جائرة بالسجن لعشر سنوات، انتقاما منهم ولإرهاب المواطنين ومنعهم من التظاهر والاحتجاج في المستقبل.
المعارضة في مواجهة المأزق
- أمام هذا المأزق الذي تعيشه البلاد، تعددت مواقف أحزاب المعارضة من الانتخابات الرئاسية القادمة، بين مشارك فيها وبين داع إلى مقاطعتها أو مقتصر على المشاركة في الانتخابات التشريعية المتزامنة معها، وهو ما يشير إلى غياب التنسيق في ما بينها، مما يزيدها ضعفا على ضعفها، ويؤبد حالة الأزمة التي تشهدها البلاد بسبب اختلال ميزان القوى لصالح الدولة البوليسية، التي تجند قوة أمنية قوامها 130 ألف شرطي لخنق أنفاس 10 ملايين مواطن، وهو ما يعادل القوة الأمنية في فرنسا التي يتجاوز عدد مواطنيها 60 مليون نسمة.
لقد عجزت المعارضة حتى الآن عن تقديم البديل، رغم أنها تلمست بداية طريقها للخروج من الأزمة من خلال حركة 18 أكتوبر 2005 التي ضمت أطياف المعارضة الجادة من الإسلاميين واليساريين والليبراليين والقوميين، ولكنها تنكبت عن مسار قوتها الذي أربك السلطة لوقت قصير، فدخلت في متاهات الحوار الفكري النظري لقضايا لا علاقة لها بجماهير الشعب، التي تئن تحت وطأة الاستبداد والفقر والبطالة والفساد.
ومما زاد في ضعف هذا التحالف عدم الإيمان الجدي لبعض أطرافه بضرورة الاجتهاد والصبر وبذل الوسع لبناء الثقة في ما بينها، وتغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية الضيقة، وتوحيد الجهود من أجل تحقيق قدر من التوازن في مواجهة تغول الدولة، والاستفادة من التجربة التاريخية التي أثبتت أنه لا قبل لتيار بمفرده مهما كان وزنه بتحمل تبعات التغيير نيابة عن الشعب.
فلا خيار، إذن، أمام المعارضة الجادة سوى العمل على توحيد الجهود والسعي إلى تحقيق التفاف شعبي حوْلها يُحوّلها إلى قوة معنوية قادرة على هزم القوة المادية الغاشمة، ولن يتسنى ذلك دون نضال وصبر وتضحية، وتجسيد النموذج والقدوة في القيادة السياسية النظيفة والمناضلة، والقادرة على استيعاب شروط المرحلة، وفي مقدمتها التنازل عن المصالح الحزبية والشخصية لفائدة وطن يتسع للجميع؛
- في كل الأحزاب تقريبا حديث عن «الواقعية والتعقل» والتصالح مع واقع الفساد والاستبداد، واستحضار شبح الميثاق الوطني المقبور. وبعيدا عن الأوهام واستنادا إلى معطيات الواقع الموضوعي، لا نبالغ إذا اعتبرنا هذا الحديث حلما من أحلام اليقظة التي ينساق إليها ضحايا القهر، لما يمنحه لهم من شعور كاذب بالتغيير وتحسن الأوضاع بمجرد الحديث الذاتي -دون مشاركة السلطة، الفاعل الرئيسي- عن المصالحة وإعادة إحياء الميثاق الوطني، هروبا من مواجهة واقع أعيا الجميع، برفضه للحوار أو التصالح فضلا عن الاستجابة ولو جزئيا ومرحليا لمطالب الإصلاح.
فكل ما يمكن تحقيقه من وراء هذه المواقف لا يتجاوز إطلاق سراح سجين أو عودة مهجر، وهو ليس بالأمر الهين، ولكنه يظل مكسبا حقوقيا يطرح السؤال حول معنى العمل السياسي، الذي يبدو أن آلة القمع نجحت في اختزاله عند البعض في مطالب جزئية لا تتعدى أحيانا جواز السفر، أو رفع الرقابة الإدارية عن هذا المناضل أو ذاك، وهي مكاسب جزئية يمكن سحبها في كل وقت وحين مع استمرار منظومة الاستبداد.
وبناء على ذلك، يجب أن يظل مطلب الإصلاح السياسي هو الهدف الرئيسي لكل نشاط معارض في ظل نظام استبدادي شمولي يشكل عقبة في وجه كل إصلاح آخر، ولا خيار للمعارضة سوى القطع مع الاستبداد كليا، ولا يعني ذلك القطيعة بما هي رفض للحوار أو الحلول المرحلية، ولكنه يعني الإصرار على رفض الاستبداد، والتمسك بمطلب الحريات في كل وقت وحين وبكل أشكال النضال السلمي والمدني مهما كانت التضحيات، إذ لا يعقل أن تهدر تضحيات الشعب والتي تراوحت بين الاستشهاد والاعتقال والتشريد والملاحقات جراء تنازلات لا معنى لها؛
- إن حالة الجمود السياسي الذي تشهده البلاد باتت تهدد الاستقرار الاجتماعي وتنذر بعواقب لا تحمد، ظهرت نذرها في أحداث الضاحية الجنوبية للعاصمة، التي لم تتنبأ بها أكثر التحاليل تشاؤما ولكنها في المحصلة كانت إفرازا طبيعيا للمأزق السياسي الذي تردت فيه البلاد، وحالة الانسداد الكامل، واعتماد المعالجة الأمنية في التعاطي مع القضايا السياسية والاجتماعية.
وإذا كان الانسداد السياسي قد أفرز العنف الأهوج في حادثة سليمان، والاحتقان الاجتماعي أدى إلى احتجاجات الحوض المنجمي، فإنه في حالة إصرار السلطة على اتباع نفس السياسات وصم الآذان عن دعوات الإصلاح المتكررة وعدم الاستفادة من تجارب الدول المجاورة في تجاوز مخلفات الصراع السياسي التي بلغت حد سفك الدماء، كما هو في الجزائر الشقيقة، ورفض تخفيف الاحتقان السياسي والاجتماعي بإعلان العفو التشريعي العام وإطلاق سراح المساجين السياسيين ومعتقلي الحوض المنجمي وعودة المهجرين، والإصرار في مقابل ذلك على انتهاج المعالجة الأمنية لملفات سياسية وحقوقية واجتماعية، يجعل عملية الانتخابات أشبه بالمسرحية، ومع استمرار بن علي في الحكم لدورة رئاسية خامسة لن تزيد الطين إلا بلة، ستتضاعف حالة الإحباط واليأس من كل إصلاح، مما يجعل مستقبل البلاد مفتوحا على أسوأ الاحتمالات لا قدر الله.
ألبوم المرئيــات
آخر خمس مقالات
- غار الدماء :الثلوج تتسبب في عزلة قرى وموت قطعان من الماشية في غياب مؤسسات الدولة
- جندوبة:وصول معدات ثقيلة ومختصون يفندون مردوديتها ويقترحون استخدام مادة الملح
- المرزوقي في المغرب المحطة الأولى لجولته المغاربية
- تونس تحتضن الاجتماع الأول لمجتمع الديمقراطيات
- وكالة الترقيم الدولي في تونس للمتابعة الدورية لأوضاع البلاد
روابط ذات صلة
المقال الأكثر قراءة حول هذا الموضوع الحدث السياسي:
تقييم المقال
أصوات: 4
