أهو عفو عام؟
في الثلاثاء, 26 جويلية 2011 ≈ 01:30:00
بنفس الأسلوب الذي كان يعتمده بن علي لإفراغ كل المعاني الجميلة من مدلولاتها، يتم التعامل اليوم مع قانون "العفو العام" الذي أصدره الرئيس المؤقت فؤاد المبزع.
فبعد أن استبشر آلاف التونسيين بالقرار واعتقدوا أن مرحلة من الهمّ والغمّ قد طويت في تاريخ تونس، تبين لهم وجود فرق كبير بين الاسم والمسمى، حيث أن هذا "العفوالتشريعي العام" لا يعدو في حقيقته أن يكون غضا للطرف إلى حين وحتى هذه ليست دائما متوفرة!
في الأيام الأولى التي عقبت فرار "بن علي" كان الخطاب: "مرحبا بكم شرفتوا بلادكم"، وأما الآن فقد تغيرت اللغة في أحسن الأحوال إلى "تفضل معانا نعطوك وريقة فيها أرقام القضايا المتعلقة بك باش تسوي وضعيتك" وبعد استلام الورقة تدخل في دوامة من الإداريات المعقدة.
لاستخراج شهادة في كفّ التفتيش من المحكمة تحتاج بطاقة تعريف وطنية، ... بطاقة التعريف تحتاج شهادة إقامة، ...
شهادة الإقامة لا تستلمها قبل أن ينظر العون إن كنت محل تتبع! ... ثم يعلمك بعدها أنه مضطر للاحتفاظ بك (إيقافك) حتى تأتي سلطة أعلى منه تنظر في أمرك! دون اكتراث بالأختام على الجواز دخولا وخروجا عبر المطار والميناء، وما يتخلله من فحص شرطة الحدود! ... كأن كل فرقة أمنية دولة مستقلة عن الأخرى!
بعد استخراج بطاقة التعريف وشهادة كفّ التفتيش تذهب إلى الشرطة العدلية لحذف اسمك من قائمة المبحوث عنهم، وبعد ساعات يعيدون لك البطاقة "خويا أمورك امريقلة".
وعند أول تعامل مع "الأمن" بعد ذلك، يجد الأعوان أنك مطلوب وعليك أن تسوي وضعيتك! لأن شرطة "سيدي فلان" هي الأخرى تبحث عنك ويلزم تسوية خاصة معها!
هذا باختصار ما حصل معي ومع كثير من أمثالي.
دوامة من التعقيدات والإجراءت التي لا تنتهي، حتى أن "المتمتع" بالعفو العام يجد نفسه أمام هذه التعقيدات مضطرا للمقارنة بين "عفو الثورة" والعفو "الخاص" الذي كان أعوان "بن علي" يرمون به كالجزرة لتخذيل صفوف المعارضين بالمهجر!
وتكون نتيجة المقارنة لفائدة "عفو بن علي" على الأقل من جانب يسر الدخول للبلاد أو مغادرتها، أو من جانب يسر إجراءات إيقاف التتبع ومحو بلاغات التفتيش من أجهزة الداخلية التي يبدو أنها مصرة على الحقد، ومحصّنة ضد "فيروسات" القرارات الثورية!
وإن أي عملية تقييم موضوعية لما آل إليه أمر قانون هذا "العفو العام" تبين أن الداخلية مازالت تتعامل بنفس الأسلوب والوسائل التي كانت تتعامل بها في السابق، فهي تلتفّ على القرار وتتلاعب به من أجل ترك بطاقات التفتيش الصادرة زمن "بن علي" وسيلة للابتزاز، وفرض "هيبة الأمن"، بدل طي صفحة الماضي و"عفا الله عما سلف"، ... فمن يدري ربما تواتي الظروف للعمل بها من جديد مادام مصير الثورة كله مقتوح على المجهول!
وبدل الاعتذاز عن الأحكام الملفقة ومعاقبة الذين "فبركوها" وتعويض ضحايا تلك الأحكام الجائرة الكاذبة في مجملها، يُحمّلون تبعاتها سنين طويلة، ثم يُرهقون بعد العفو عنها" بالجري واللهث من أجل محوها!
والأغرب من ذلك أن من يتم إيقافه على خلفية بطاقات التفتيش الصادرة في حقه، ثم يصدر قرار من "الجهات العليا" لإخلاء سبيله، لا يُسلم أي ورقة في ذلك، وهو معرض للإيقاف بمجرد خروجه من المكان الذي أوقف فيه. من الطرائف أنني بعد أن تم إيقافي في أحد مراكز الحرس بالعاصمة ثم أخلي سبيلي وقمت بالإجراءات المذكورة أعلاه، اعتقدت أن مسألة التتبع قد أغلقت، وعدت لنفس المركز وطلبت من أحد الأعوان أن ينظر في أجهزتهم للتأكد من زوال مسألة التتبع، فكان جوابه "خويا بربي فوتني، لأنني إذا وجدت أنك مازلت محل تتبع سأكون مضطرا لإيقافك من جديد"!
وفعلا غادرته لأعرف جواب سؤالي عند شرطة الحدود في الميناء التي "تكرمت" بعد أخذ وردّ، فسمحت لي بالمغادرة على أن أسوّي وضعيتي عند أول عودة لتراب "الوطن"!
لذلك نعتقد أن هذا القرار يحتاج إلى تفعيل جادّ، وإلى إرادة صادقة حتى يكون فعلا أحد إنجازات الثورة التونسية التي يكاد بالليل والنهار ضد تحقيق أهدافها والالتفاف عليها.
وقد اقتصرت في هذه الأسطر على مسألة بلاغات التفتيش ومحو أسماء المطلوبين من حواسيب الداخلية دون أن أتطرق لبقية جوانب العفو العامّ المتعلقة ببقية الحقوق التي يخوض بعض السجناء السابقون تحركات من أجل تحقيقها.
إنما مطلبي من هذه الكلمات أن يكون من حقي وحق آلاف من أمثالي العودة إلى وطننا والتنقل في أرجائه والتعامل مع إداراته المختلفة ومغادرته، مثل بقية المواطنين "لا أكثر ولا أقل" كما قال المرحوم مزالي!
ولكن يبدو أن تونس مازالت عطشى، وأن "السكارا لم يثملوا من دماء أبنائها!!
في الأيام الأولى التي عقبت فرار "بن علي" كان الخطاب: "مرحبا بكم شرفتوا بلادكم"، وأما الآن فقد تغيرت اللغة في أحسن الأحوال إلى "تفضل معانا نعطوك وريقة فيها أرقام القضايا المتعلقة بك باش تسوي وضعيتك" وبعد استلام الورقة تدخل في دوامة من الإداريات المعقدة.
لاستخراج شهادة في كفّ التفتيش من المحكمة تحتاج بطاقة تعريف وطنية، ... بطاقة التعريف تحتاج شهادة إقامة، ...
شهادة الإقامة لا تستلمها قبل أن ينظر العون إن كنت محل تتبع! ... ثم يعلمك بعدها أنه مضطر للاحتفاظ بك (إيقافك) حتى تأتي سلطة أعلى منه تنظر في أمرك! دون اكتراث بالأختام على الجواز دخولا وخروجا عبر المطار والميناء، وما يتخلله من فحص شرطة الحدود! ... كأن كل فرقة أمنية دولة مستقلة عن الأخرى!
بعد استخراج بطاقة التعريف وشهادة كفّ التفتيش تذهب إلى الشرطة العدلية لحذف اسمك من قائمة المبحوث عنهم، وبعد ساعات يعيدون لك البطاقة "خويا أمورك امريقلة".
وعند أول تعامل مع "الأمن" بعد ذلك، يجد الأعوان أنك مطلوب وعليك أن تسوي وضعيتك! لأن شرطة "سيدي فلان" هي الأخرى تبحث عنك ويلزم تسوية خاصة معها!
هذا باختصار ما حصل معي ومع كثير من أمثالي.
دوامة من التعقيدات والإجراءت التي لا تنتهي، حتى أن "المتمتع" بالعفو العام يجد نفسه أمام هذه التعقيدات مضطرا للمقارنة بين "عفو الثورة" والعفو "الخاص" الذي كان أعوان "بن علي" يرمون به كالجزرة لتخذيل صفوف المعارضين بالمهجر!
وتكون نتيجة المقارنة لفائدة "عفو بن علي" على الأقل من جانب يسر الدخول للبلاد أو مغادرتها، أو من جانب يسر إجراءات إيقاف التتبع ومحو بلاغات التفتيش من أجهزة الداخلية التي يبدو أنها مصرة على الحقد، ومحصّنة ضد "فيروسات" القرارات الثورية!
وإن أي عملية تقييم موضوعية لما آل إليه أمر قانون هذا "العفو العام" تبين أن الداخلية مازالت تتعامل بنفس الأسلوب والوسائل التي كانت تتعامل بها في السابق، فهي تلتفّ على القرار وتتلاعب به من أجل ترك بطاقات التفتيش الصادرة زمن "بن علي" وسيلة للابتزاز، وفرض "هيبة الأمن"، بدل طي صفحة الماضي و"عفا الله عما سلف"، ... فمن يدري ربما تواتي الظروف للعمل بها من جديد مادام مصير الثورة كله مقتوح على المجهول!
وبدل الاعتذاز عن الأحكام الملفقة ومعاقبة الذين "فبركوها" وتعويض ضحايا تلك الأحكام الجائرة الكاذبة في مجملها، يُحمّلون تبعاتها سنين طويلة، ثم يُرهقون بعد العفو عنها" بالجري واللهث من أجل محوها!
والأغرب من ذلك أن من يتم إيقافه على خلفية بطاقات التفتيش الصادرة في حقه، ثم يصدر قرار من "الجهات العليا" لإخلاء سبيله، لا يُسلم أي ورقة في ذلك، وهو معرض للإيقاف بمجرد خروجه من المكان الذي أوقف فيه. من الطرائف أنني بعد أن تم إيقافي في أحد مراكز الحرس بالعاصمة ثم أخلي سبيلي وقمت بالإجراءات المذكورة أعلاه، اعتقدت أن مسألة التتبع قد أغلقت، وعدت لنفس المركز وطلبت من أحد الأعوان أن ينظر في أجهزتهم للتأكد من زوال مسألة التتبع، فكان جوابه "خويا بربي فوتني، لأنني إذا وجدت أنك مازلت محل تتبع سأكون مضطرا لإيقافك من جديد"!
وفعلا غادرته لأعرف جواب سؤالي عند شرطة الحدود في الميناء التي "تكرمت" بعد أخذ وردّ، فسمحت لي بالمغادرة على أن أسوّي وضعيتي عند أول عودة لتراب "الوطن"!
لذلك نعتقد أن هذا القرار يحتاج إلى تفعيل جادّ، وإلى إرادة صادقة حتى يكون فعلا أحد إنجازات الثورة التونسية التي يكاد بالليل والنهار ضد تحقيق أهدافها والالتفاف عليها.
وقد اقتصرت في هذه الأسطر على مسألة بلاغات التفتيش ومحو أسماء المطلوبين من حواسيب الداخلية دون أن أتطرق لبقية جوانب العفو العامّ المتعلقة ببقية الحقوق التي يخوض بعض السجناء السابقون تحركات من أجل تحقيقها.
إنما مطلبي من هذه الكلمات أن يكون من حقي وحق آلاف من أمثالي العودة إلى وطننا والتنقل في أرجائه والتعامل مع إداراته المختلفة ومغادرته، مثل بقية المواطنين "لا أكثر ولا أقل" كما قال المرحوم مزالي!
ولكن يبدو أن تونس مازالت عطشى، وأن "السكارا لم يثملوا من دماء أبنائها!!
طــه بعزاوي
26 جولية 2011
26 جولية 2011
ألبوم المرئيــات
آخر خمس مقالات
روابط ذات صلة
المقال الأكثر قراءة حول هذا الموضوع القديد المالح:
تقييم المقال
النتيجة: 5
أصوات: 8

أصوات: 8
رجاءا خذ قليلا من الوقت وقم بتقييم هذا المقال:
