رسائل انتخابات المحاماة التونسية لسلطة استبدادية

في الإربعاء, 30 جوان 2010 ≈ 03:10:00

كشفت نتائج الانتخابات الأخيرة التي خاضها المحامون في تونس أيام 19 و20 و21 جوان الجاري لاختيار عميد المحامين وأعضاء مجلس الهيئة والتي فاز فيها المحامي المستقل الأستاذ عبد الرزاق الكيلاني بالعمادة وعدد من المستقلين الآخرين بعضوية الهيئة مقابل فشل ممثلي الحزب الحاكم في الظفر بالعمادة ومحدودية تمثيلهم في مجلس الهيئة الوطنية للمحامين كفشلهم في الحصول على رئاسة الفرع الجهوي بتونس وأغلبية مقاعد مجلسه، كشفت النتائج أنّ إرادة التغيير والاستقلالية لازالت تمثل إحدى أبرز محاور الدفاع عن أهم قضايا التونسيين بشكل عام وحقوق الإنسان وجوهر رسالة المحاماة بشكل خاص فضلا على أنها إحدى أهم تجليات مطالب المجتمع المدني التونسي التي لايزال يناضل من أجل تكريسها منذ أكثر من خمسة عقود من الزمن لاسيما في ظل استمرار حضور استعراضي /استبدادي تمثل فيه السلطة رأس حربة ضد كل نفس حر مستقل، سلطة لازالت تصم آذانها أمام كل إرادة في التغيير والتحول المنشود تحت تعلات ومسوغات تضليلية لم تعد قادرة حتى على إقناع المطبلين لها.
ومثلت تلك النتائج سواء على مستوى الطور الأول (الكيلاني والصيد) أو على مستوى الطور الثاني (الكيلاني: عميدا) رسالة قوية للسلطة فيها أكثر من دلالة على غرار ما أفرزته انتخابات 2007 خاصة بعد أن فشل المقربون منها بالظفر بذلك المنصب رغم الدعم اللوجستي والمعنوي الذي حظوا به، رسالة إرادة الاستقلالية والتغيير والتجديد هذه تترجم جوهر احترام حقوق الإنسان ومطلب إرادة الناخبين وديمقراطية العملية الانتخابية بعيدا عن كل أشكال الوصاية والمصادرة والمغالطة والتزييف والارتهان.  

الأستاذ الكيلاني في كلمته التي ألقاها بُعيد إعلان نتائج عملية الفرز قال إنّ "التداول على المسؤولية أحد أسس الديمقراطية" وعند ذلك وقف المحامون وصفقوا طويلا وأطلقت بعض حناجر المحاميات الزغاريد.
ولإضفاء مصداقية على ما قاله تعهد العميد أمام الجميع بأن لا يعيد ترشحه للدورة المقبلة وأضاف بأنه سيعمل على رد الاعتبار للمحاماة وأنه سيكون عميدا للجميع دون استثناء. 
مراقبون يرون أنّ الكيلاني لم يخالف النهج الذي عرف به منذ أكثر من ثلاثين سنة من ممارسته لمهنة المحاماة وهي رحلة تقلد فيها عددا كبيرا من المسؤوليات تبدو في اعتقاد البعض جديرة بالاحترام ولعل في تمتعه بدعم قوي ليس فقط من زملائه أبناء المهنة بل أيضا من فريق حقوقي وسياسي ونقابي عريض ضم معارضي الحزب الحاكم وشخصيات سياسية وحقوقية مستقلة وواسعة التأثير، ما يدل على تفاعل إيجابي مع مواقفه الداخلية والخارجية التي اتسمت بالمشاركة والحضور والفعل حتى وان شارك في ذلك التفاعل بعض أنصار الحزب الحاكم "المهنيين" الذين مجّوا مبدأ الوصاية الفوقية وآثروا عدم الانضباط لتدخل لم يرو فيه مصلحة لقطاعهم.
ولا مناص من القول إنّ النقاط التي تناولها العميد الجديد في كلمته إثر التصريح بنتائج الانتخابات وعلى رأسها "التداول على المسؤولية ركيزة أساسية من ركائز الديمقراطية " يكون قد أجاب على سؤال ومطلب لازال يرفعه التونسيون منذ حصول بلادهم على الاستقلال. 
قضية تمثل حسب اعتقاد الملاحظين والمتابعين للشأن العام إحدى أهم مقومات الديمقراطية التي تحترم ذكاء التونسيين وتعير لقدرتهم وكفاءتهم وتعلقهم بالبلاد اعتبارا، بعيدا عن كل أشكال التهميش والإقصاء والالتفاف.
فالمراقبون يجمعون على أن فوز الأستاذ الكيلاني بالعمادة لم يكن برغبة من السلطة أو بدعم منها بل يرون أنّ فوزه الذي لقي دعما من وجوه سياسية وحقوقية مختلفة هو فوز للخط المستقل الذي يسعى لإعادة الاعتبار لهيبة المحاماة القطاع الذي عجزت السلطة في أكثر من محاولة على تدجينه وفق أجنداتها السياسية.
دعمٌ أراد الحقوقيون والسياسيون (وهو حق من حقوقهم ) من خلاله أن يوجهوا رسالة إلى السلطة أنّ إرادة الاستقلالية لا يمكن أن تُصادر متى ما وجدت قدرة وإرادة وفعل يُناضلْ من أجلها رغم موجة الاستعراضات التشريعية والاستبدادية التي تطلّ بها السلطة بين الحين والآخر لتكميم الأفواه وخنق الحناجر واستئصال الأحلام والطموحات تحت عناوين شتى تستبطن استعدادا لتقويض أحلام وطموحات التونسيين وتهجينها وفقا لرغباتها ومصالحها.  
ولعل في سعي السلطة ودعم أنصارها ودفعها بكوادرها ومسؤوليها من أجل إخراج عمادة المحامين من الاستقلالية لاسيما في الطور الانتخابي الأول و فشلها في ربح المعركة لفائدتها وما رافق ذلك من تصريحات منسوبة إلى مسؤولين في الحزب الحاكم تدعو إلى ضرورة التواجد في النقابات، فيه ما يضفي دلالة واضحة على أن السلطة تهتز مضاجعها كلما احترم الصندوق إرادة الناخبين فضلا على أنّ أنصارها لم يعودوا بذلك الانضباط الذي عرفوا به في السابق وفي ذلك أكثر من دلالة وأكثر من معنى.
من جهة أخرى يعكس الأسلوب والمستوى الذي أديرت وتدار به انتخابات المحاماة قدرة التونسيين على ممارسة الديمقراطية في كنف الشفافية والاحترام فرغم ما مثله العميد المتخلي وأنصاره من ثقل وعناد وإصرار على الفوز فقد قبل المحامون بمختلف ميولاتهم بنتائج الصندوق ومروا لانتخابات مجلس الهيئة ومجالس الفروع ومعالجة قضاياهم المطروحة التي تمثل جزءا لايتجزأ من قضايا كل التونسيين ولم يجد أنصار السلطة هم الآخرون سوى الامتثال للأمر الواقع لأنّ من كان شاهدا على الانتخابات سوف ينتهي إلى نتيجة واحدة مهما كانت توجهاته السياسية وهي شرعية الانتخابات وقانونيتها والتي استندت إلى معايير أساسية من معايير الانتخابات : النزاهة والشفافية باعتبارهما يمثلان إطارا لا يمكن لأي نتيجة انتخابية أن تكون صحيحة خارجة عن تلك الضوابط .  
على أنّه لا مجال للشك في أنّ الشعب التونسي وبمثل تلك الإدارة لعملية انتخابية يكشف مرة أخرى أنه قادر على أن يشهد ديمقراطية وعملية انتخابية تحترم إرادته وقدرته وذكائه، لكنّ قطاع المحاماة وحده غير كاف لترجمة إرادة وحقوق التونسيين ما لم يتزامن ذلك مع ممارسات قطاعات أخرى لازالت تمثل ثقلا في المشهد السياسي العام بالبلاد. 
بقي أن نشير إلى أن نتائج الانتخابات التي أزاحت الأستاذ بشير الصيد المنافس العنيد في تلك الانتخابات كشفت مرة أخرى بأن الصيد الذي اعتقد البعض أن حضوره في قائمة المترشحين الستة للعمادة قد لا يتعدى الشكل أنّه لازال يحظى بحضور لافت يستمده من خلال كاريزما مثلت في أغلب مسيرته وما تولاه من مسؤوليات مهنية وحقوقية " العصا الغليظة " التي أثبتت نجاحها في أكثر من مرة سواء كان ذلك في ضرب الحكومة بمواقف اتسمت بالجرأة والقدرة على إدارة المعارك أو في إرغامها على مسائل معينة علاوة على إصراره عن عدم انخراط قطاع مثل قطاع المحاماة في التزكية والتهليل. 
غير أن ما شاب فترة توليه الأخيرة للعمادة من تقارير تجعل منه مسؤولا على فساد مالي وعدم قدرة على التسيير الديمقراطي للهياكل مثلت محورا مفصليا حال دون فوزه بالعمادة، ومن الأكيد كان خروجه في نفس الوقت مطلبا أساسيا من مطالب الديمقراطية التي تحترم حق أبناء القطاع في تأثيث المحاماة بقيم ورهانات وسلوكيات تنأى بها عن الاتهامات والمس من هيبتها ورد اعتبارها واستقلاليتها التي بنى عليها العميد الجديد برنامجه الانتخابي.

التعليقات مملوكة لأصحابها , نحن غير مسئولون عن محتواها.


النصوص الممهورة بتوقيع إدارة التحرير لكلمة تونس فقط هي التي تعبر عن رأي الموقع الرسمي وباقي النصوص تعبر عن رأي أصحابها .
جميع الحقوق محفوظة لكلمة © 2009. مزيد من المعلومات تجدونها في قوانين عامة.
البريد الإلكتروني لإدارة التحرير لكلمة تونس Email contact [at]kalima-tunisie [dot]info ®©   البريد الإلكتروني لإدارة كلمة تونس Email contact [at]kalima-tunisie [dot]info