| آخر الأخبار | | English | français | عربي |
راديو كلمة
|
قررت EUTELSAT وقف بث الراديو عبر القمر الاصطناعي تحت ضغوطات حكومية جزائرية و تونسية |
| روابط مباشرة مشغل الون أمب Winamp كذلك بفتح الوصلة بمشغل الريال بليار Real player |
البث و المواعيد
دخلة الباكالوريا: عبّرْ... ولكن إيّاك |
الدخلة.. تلك التعبيرة التي تسلّلت حديثا إلى مجتمعنا – مع تسلّل الحرّيات المقهورة فارّة منه – عبر أبوابه الجانبيّة وشبابيكه في ظلّ حصار بوليسي لكلّ أبواب التعبير... تلك التعبيرة الشبابيّة بامتياز، الناضحة تحدّيا ورفضا لكلّ التابوهات التي ضربتها السّلطة على الفضاء العامّ، الكرويّة في منشئها وامتدادها بعد أن غدت كرة القدم المتنفّس الوحيد لشعب بكامله...الدخلة – ابنة القمع والتصعيد تلك – وجدت ملعبا آخر تُعشب فيه وشكلا طقوسيّا جديدا تتلبّسه: طقس الانتقال "المعموديّ" من اللحظة التّلمذيّة إلى اللحظة الطلاّبيّة الأكثر نضجا.. عنينا هنا دخلة الباكالوريا رياضة. ولم يكن غريبا في مجتمع عوّدوه الخصاء والصمت والخنوع أن تجد عديد الوجوه تنكمش غيظا وامتعاضا إزاء مظاهر الانفلات والتمرّد التي مارسها تلاميذنا، حيث اجتاحت الفضاء التربوي "المقدّس" واكتسحت الفضاء العامّ المحرّم أشكال غير معهودة من الاختراق والانتهاك ومظاهر غير معتادة للرفض الأخلاقي من الصيحات المشتركة حتّى قوارير الشمبانيا داخل فضاءات المعاهد مرورا بالزّي الموحّد واللافتات المعبّرة وغيرها من أشكال الاجتياح "المغولي" وهو ما تشهد عليه وتضجّ به صفحات المنتدى الاجتماعي Facebook.
كما لم يكن بمستغرب أن تتنافر الآراء وتتقارع الأقلام والألسن إزاء ظاهرة غزتنا بسرعة فاقت سرعة الهضم لدينا وإمكانات الاستيعاب وأدوات الفهم العلمي المهترئة قسرا والمهملة لخبرائنا "المعوّقين" سياسيّا.
وبدل أن تستتبع الموجة الأولى – موجة ردّ الفعل والدّهشة – موجة ثانية عقلانيّة تعتمد تحليل الظاهرة وتفكيكها والتعاطي مع أسبابها (التي لا تخفى على عاقل)، تراجعت الأولى مخلّفة القفر والانطباعات المتضاربة بين هؤلاء الغاضبين على جيل الفوضى وبين المهلّلين لفرحة الحياة وجيل التمرّد الجميل الرافضين للتدجين الأخلاقي وتشذيب النتوءات الاجتماعيّة والثقافية.
هذه البهتة وهذه السّطحيّة في التناول لم تكونا بمستغربتين، فقد تعوّدنا – في غياب المَأْسسة – على التعاطي الذاتي الانفعالي والتلقائي مع كلّ وافد جديد. لكنّ المستغرب بل والمستنكر هو تعامل السّلطة مع هذه الظواهر، فلا نجد من أجهزتها من يعاجل بالتحرّك للتعامل مع هذه الظواهر الاجتماعيّة إلاّ جهازها الأمني الذي سارع للضّرب بشدّة – ليس على يد من أخلّ بالنظام العامّ أو اعتدى على الأخلاق الحميدة أو غير ذلك من مسامير جحا القانونيّة المعتادة – وإنّما على يد من تجرّأ – "عن حسن نيّة ودون سابقيّة القصد والإضمار" – على المساس بمحرّماتها السياسيّة مساسا – كما في "قضيّة الحال" (بلغة رجال القانون) – كان يحتاج إلى عباقرة السيميولوجيا الأمنيّة للتنبّه إليه والتصدّي له
.
و"قضيّة الحال" هذه تعلّقت ببعض تلاميذ المعهد الثانوي الحبيب المعزون بصفاقس الذين خطر على بالهم أن يعدّوا دخلة خاصّة بهم على غرار الأقسام الأخرى فقرّروا تصميم عَلَم تفتّق ذهنهم عن رسم ضمّنوه إيّاه وقد ظنّوه معبّرا عمّا يخالج نفوسهم من غبطة بنهاية العام الدراسي وربّما كان صدى لما يجتاح بواطنهم من يأس من آفاق الدّراسة، فرسموا جمجمة مرفقة بعبارة "2009" دون أن يكون قد خطر على ذهنهم أيّ إسقاط سياسي خاصّة وهم الذين – كما لاحظنا حين حاورناهم – غير معنيّين بالمرّة باستحقاقات البلاد الانتخابيّة ولا بواقعها السياسي، كلّ حلمهم أن يتمّوا دراستهم للتحليق في أفق أرحب خارج الوطن، فإذا بهم يتمّ إيقافهم واستياقهم إلى أحد مراكز الأمن أين يتمّ الاحتفاظ بهم بضع ساعات والتحقيق معهم تحقيقا لعلّهم تيقّنوا بعده من مدى صحّة شعارهم سياسيّا قبل أن يطلق سراحهم بعد أن دفع الأولياء ثمنا باهضا مقابل... التعويض على الضّرر الذي أصاب بعض السيارات نتيجة هيجانهم أمام المعهد؟
علما وأننا يوم الحادثة انتقلنا على عين المكان ولم نلحظ أيّ أثر يشير إلى هذا العدوان المزعوم، إلاّ إذا كان ذاك الذي يستهدف قدس الأقداس استحقاق 2009 الذي كرّسته محاكم التفتيش لدينا رمزا للاستبداد وموت الحرّيّات والديمقراطيّة.
هكذا إذا ينضاف رقم 2009 إلى القائمة السوداء للعبارات المحرّمة. وهكذا تتفاعل الدّولة وأجهزتها مع مختلف الظواهر الاجتماعيّة تفاعلا أمنيّا يذكّرنا بحساسيّة الكلاب المدرّبة على اشتمام رائحة المؤامرات؛ ولترفع السلطة بدورها لافتة دَخْلَتها في 2009 تحت شعار "اضربْ بسرعة.. اضرب بقوّة.. اضرب قبل أن يستفحل الأمر !!" مرفوقا بشعار أكثر جنائزيّة (والغمزة لسيميولوجيّي أمننا) "عبِّرْ... ولكن إيّاك... !"



الإربعاء, 08. سبتمبر 2010 » 01:02 » « 13 »








