هل احتاج فعلا شاشة ملونة؟

في الإربعاء, 27 ماي 2009 ≈ 04:25:00

وصلني منذ مدة شريط عن تونس، شريط التقطه احد ابناء الجنوب الغربي في مسقط رأسه والمناطق المجاورة، شريط عليه بصمة الهواة اخذه من نافذة سيارته... صوّر الشارع في بعض المناطق السكّانية... صوّر كل شيء دون اختيار وتركيب، وخصوصا دون فنيات المحترفين التي عادة ما تصوّر الحبة قـبّة والعكس طبعا....

 

ازلتُ الالوان من شاشة الحاسوب وصار لذلك الشريط ابيض واسود، ثم تفرجتُ عليه كاملا، ولو اكثر دقة "تجرعته كاملا". لو استثنيت موديلات بعض السيّارات التي مرّت صدفة امام العدسة فالشريط ينقل تونس في الستينات من القرن الماضي، نفس المباني، الشوارع، الاتربة، البؤس وهشاشة وضع الشباب. عدد كبير من الشباب يقف بلا حاجة واضحة في مفترقات الشوراع والانهج، كل الانهج في كل المدن وكل التجمعات السكانية... مرّ نصف قرن ولا تزال هذه الفوراق قائمة بين الجهات، تكدّس المشاريع والكتلة البشرية في بعض /بعض فقط/ مدن الشريط الساحلي وفراغ وبؤس في داخل البلاد... مشكل من اواسط القرن العشرين يرافقنا الى الآن... وهذا طبعا بعد عشرات السنين من الانجازات وبعد ان ان تغيّرنا وحوّلنا وتحدينا بامتياز... وصلني هذا الشريط بالتزامن مع عادة سنوية يعرفها كل تونسي مهاجر... بالفعل، في مثل هذا الوقت من كل عام يكثر الحديث بين الجالية بالخارج عن مشروع العطلة والعودة الى البلاد... وصلني هذه السنة ايضا بريد من احد لاصدقاء يسأل عن موعد العودة، وتذكرتُ كلمة كانت ذائعة بين كبار المسؤولين في الستينات وحتى بداية السبعينات تقول ان "الهجرة هو حل وقتي"... ما من مسؤول يتجرأ اليوم ليقول انه حل وقتي، اولا لان الهجرة هي متنفس للبطالة والا انفجر بطن البلد، وثانيا لأن الكتلة البشرية للمهاجرين صارت على قدر من الاهمية في رفع احتياط العملة الصعبة في الخزائن، ولو اكثر دقة نقول "في بعض الخزائن"... بقيت الهجرة الحل الوقتي، بل تحولت الى حل دائم وضروري، ومرّت هي ايضا معنا من ستينات القرن العشرين الى اوائل الواحد والعشرين... ثم سُدت ابواب الهجرة، حتى ابواب الهجرة، وصار الشباب يموت غرقا في محاولات يائسة ينشد فيها الحياة، وهذا ايضا بعد عشرات السنين من الانجازات والنخوة والاعتزاز، وبعد ان تحوّلنا وغيّرنا... واذا بنا لا نزال، في افضل الحالات، في الستينات من القرن الماضي... هل احتاج الوانا على شاشة الحاسوب؟ لا اظن

التعليقات مملوكة لأصحابها , نحن غير مسئولون عن محتواها.


النصوص الممهورة بتوقيع إدارة التحرير لكلمة تونس فقط هي التي تعبر عن رأي الموقع الرسمي وباقي النصوص تعبر عن رأي أصحابها .
جميع الحقوق محفوظة لكلمة © 2009. مزيد من المعلومات تجدونها في قوانين عامة.
البريد الإلكتروني لإدارة التحرير لكلمة تونس Email contact [at]kalima-tunisie [dot]info ®©   البريد الإلكتروني لإدارة كلمة تونس Email contact [at]kalima-tunisie [dot]info